سيد محمد طنطاوي

354

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الليل والنهار والشمس والقمر بتلك الطريقة البديعة ، حيث إن الجميع يسير بنظام محكم ، ويؤدى وظيفته أداء دقيقا . كما قال - تعالى - : لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ ، ولَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ . وقوله - تعالى - * ( لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ ، واسْجُدُوا لِلَّه الَّذِي خَلَقَهُنَّ . . ) * نهى عن السجود لغيره - تعالى - وأمر بالسجود له وحده . أي : لا تسجدوا - أيها الناس - للشمس ولا للقمر ، لأنهما - كغيرهما - من جملة مخلوقات اللَّه - تعالى - ، واجعلوا طاعتكم وعبادتكم للَّه الذي خلق كل شيء في هذا الكون ، إن كنتم حقا تريدون أن تكون عبادتكم مقبولة عنده - عز وجل - . فالآية الكريمة تقيم الأدلة على وجوب إخلاص العبادة للَّه - عز وجل - وتنهى عن عبادة غيره - تعالى - . قال الجمل : هذا رد على قوم عبدوا الشمس والقمر ، وإنما تعرض للأربعة مع أنهم لم يعبدوا الليل والنهار ، للإيذان بكمال سقوط الشمس والقمر عن رتبة السجودية لهما ، بنظمهما في المخلوقية في سلك الأعراض التي لا قيام لها بذاتها ، وهذا هو السر في نظم الكل في سلك آياته . وإنما عبر عن الأربع بضمير الإناث - مع أن فيها ثلاثة مذكرة ، والعادة تغليب المذكر على المؤنث - لأنه لما قال : ومن آياته ، فنظم الأربعة في سلك الآيات ، صار كل واحد منها آية فعبر عنها بضمير الإناث في قوله * ( خَلَقَهُنَّ ) * « 1 » . ثم بين - سبحانه - أن استكبار الجاهلين عن عبادة اللَّه - تعالى - وحده ، لن ينقص من ملكه شيئا فقال : * ( فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا ، فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَه بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وهُمْ لا يَسْأَمُونَ ) * . أي : فإن تكبر هؤلاء الكافرون عن إخلاص العبادة للَّه - تعالى - فلا تحزن أيها الرسول الكريم - فإن الذين عند ربك من الملائكة . ينزهونه - تعالى - ويعبدونه عبادة دائمة بالليل والنهار وهم لا يسأمون ولا يملون ، لاستلذاذهم لتلك العبادة والطاعة ، وخوفهم من مخالفة أمره - عز وجل - . فالآية الكريمة تهون من شأن هؤلاء الكافرين ، وتبين أنه - تعالى - في غنى عنهم وعن عبادتهم لأن عنده من مخلوقاته الكرام من يعبده بالليل والنهار بدون سأم أو كلل .

--> ( 1 ) حاشية الجمل ج 4 ص 44 .